الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

22

مختصر الامثل

« الدّابة » : من « دبّ » والدبيب المشي الخفيف ، ويستعمل ذلك في الحيوان والحشرات أكثر . « الطائر » كل ذي جناح يسبح في الهواء وقد يوصف بها بعض الأمور المعنوية التي تتقدّم بسرعة واندفاع ، والآية تقصد الطائر الذي يطير بجناحيه . « أمم » : جمع امّة ، وهي كل جماعة يجمعهم أمر ما ، كالدين الواحد أو الزمان الواحد أو المكان الواحد . « يحشرون » : من « حشر » بمعنى « الجمع » والمعنى الوارد في القرآن يقصد به يوم القيامة ، ولا سيما أنّه يقول : « إِلَى رَبّهِم » . ثم تقول الآية : « مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِن شَىْءٍ » . لعل المقصود « بالكتاب » هو القرآن الذي يضم كل شيء ، أو المقصود بالكتاب هو « عالم الوجود » إذ أنّ عالم الخليقة مثل الكتاب الضخم ، يضمّ كل شيء ولا ينسى شيئاً . وتختم الآية بالقول : « ثُمَّ إِلَى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ » . من هنا تنذر الآية المشركين وتقول لهم : إنّ اللَّه الذي خلق جميع الحيوانات ووفّر لها ما تحتاجه ، ورعى كل أفعالها ، وجعل لها حشراً ونشوراً ، قد أوجد لكم دون شك بعثاً وقيامة وليس الأمر كما تقول تلك الفئة من المشركين من أنّه ليس ثمّة شيء سوى الحياة الدنيا والممات . هل هناك بعث للحيوانات ؟ ما من شك أنّ الشّرط الأوّل للمحاسبة والجزاء هو « العقل والإدراك » ويستتبعهما « التكليف والمسؤولية » . يقول أصحاب هذا الرأي : إنّ حياة كثير من الحيوانات تجري وفق نظام دقيق ومثير للعجب ، ويدلّ على ارتفاع مستوى إدراكها وفهمها ، فمن ذا الذي لم يسمع بالنمل والنحل وتمدّنها العجيب ونظامها المحيّر في بناء بيوتها وخلاياها ، ولا شك أنّ هذه أمور ليس من السهل اعتبارها ناشئة بدافع الغريزة ، إذ إنّ الغريزة تنشأ عنها أعمال رتيبة من طراز واحد باستمرار ، أمّا الأعمال التي تقع في ظروف خاصة كردود فعل لحوادث طارئة غير متوقعة ، فهذه تكون إلى التعقل والإدراك أقرب منها إلى الغريزة . فالشاة التي لم يسبق لها أن رأت ذئباً في حياتها تفزع منه أول ما تراه وتدرك خطره عليها وتتوسل بكل حيلة لدرء خطره عنها . فضلًا عن ذلك كله ، فإنّ هناك بعض الآيات التي تدل - بوضوح - على أنّ للحيوانات فهماً وإدراكاً ، من ذلك حكاية هروب النمل من أمام جيش سليمان ، وحكاية ذهاب الهدهد إلى منطقة سبأ باليمن ورجوعه بأخبار مثيرة لسليمان . ثمّة أحاديث إسلامية كثيرة حول بعث الحيوانات ، من ذلك ما روي في تفسير مجمع البيان عن أبي ذر قال : بينا أنا عند رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إذ انتطحت عنزان ، فقال النبي صلى الله عليه وآله :